المقريزي
932
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
وكانت الليلة الخامسة عشرة ، من شهر نيسان سنة إحدى وثمانين لموسى ، فعند ذلك سارع فرعون إلى ترك بني إسرائيل ، فخرج موسى - عليه السّلام - من ليلته هذه ، ومعه بنو إسرائيل ، من عين شمس . وفي « التّوراة » أنّهم أمروا عند خروجهم أن يذبح أهل كلّ بيت حملا من الغنم إن كان كفايتهم ، أو يشتركوا مع جيرانهم إن كان أكثر ، وأن ينضحوا من دمه على أبوابهم ليكون علامة ، وأن يأكلوا شواة رأسه وأطرافه ومعاه ، ولا يكسروا منه عظما ، ولا يدعوا منه شيئا خارج البيوت ، وليكن خبزهم فطيرا ، وذلك في اليوم الرابع عشر من فصل الرّبيع ، وليأكلوا بسرعة ، وأوساطهم مشدودة وخفافهم في أرجلهم وعصيّهم في أيديهم ، ويخرجوا ليلا ، وما فضل من عشائهم ذلك أحرقوه بالنار . وشرع هذا عيدا لهم ولأعقابهم ، ويسمّى هذا « عيد الفصح » « 1 » . وفيها أنّهم أمروا أن يستعيروا منهم حليّا كثيرا يخرجون به ، فاستعاروه وخرجوا في تلك الليلة بما معهم من الدّوابّ والأنعام ، وأخرجوا معهم تابوت يوسف - عليه السّلام - استخرجه موسى من المدفن الذي كان فيه بإلهام من اللّه تعالى . وكانت عدّتهم ستّ مائة ألف رجل محارب ، سوى النساء والصّبيان والغرباء « 2 » ، وشغل القبط عنهم بالمآتم التي كانوا فيها على موتاهم ، فساروا ثلاث مراحل ليلا ونهارا ، حتى وافوا إلى فوّهة الجبروت - وتسمّى نار موسى - وهو ساحل البحر بجانب الطور . فانتهى خبرهم إلى فرعون في يومين وليلة ، فندم بعد خروجهم ، وجمع قومه ، وخرج في كثرة ، كفاك / عن مقدارها قول اللّه - عزّ وجلّ ، إخبارا عن فرعون ، أنّه قال عن بني إسرائيل - وعدّتهم ما قد ذكر ، على ما جاء في التّوراة - : إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ [ الآيتان 54 ، 55 سورة الشعراء ] . ولحق بهم في اليوم الحادي والعشرين من نيسان ، فأقام العسكران ليلة الواحد والعشرين على شاطئ البحر . وفي صبيحة ذلك اليوم ، أمر موسى أن يضرب البحر بعصاه ويقتحمه ، ففلق اللّه لبني إسرائيل البحر اثني عشر طريقا ، عبر كلّ سبط من طريق ، وصارت المياه قائمة عن جانبهم كأمثال الجبال ، وصيّر قاع البحر طريقا مسلوكا لموسى ومن معه ، وتبعهم فرعون وجنوده فلمّا خاض بنو
--> ( 1 ) التوراة ، سفر الخروج 12 / 1 - 28 . ( 2 ) التوراة ، سفر الخروج 12 / 35 - 38 ؛ وقارن سعيد بن البطريق : التاريخ المجموع 1 : 31 ، ونشرة Breydy 2 - 3 ؛ الثعلبي : قصص الأنبياء 173 - 174 ؛ النويري : نهاية الأرب 13 : 208 .